عبد الرحمن بدوي

274

أرسطو عند العرب

جسما واحدا متصلا أزليا غير فاسد مشتملا على جميع الأشياء محيطا بها ضامّا لنشرها وكان جميع الأشياء التي فيه إنما تطلب الاتصال بالشيء الذي هو غير متنفس « 1 » ونقصد للاتحاد الهيولاني مما يدبره ويسوسه ويحفظ عليه مرتبته ونظامه بقوة روحانية تسرى في جميع أجزائه التي تليق بها أن تكون سارية فيه بحسب ما يراه هو ، لا القوم . وذلك أنه ليس يتصل بشيء من الحيوانات التي الوجود لها إنما هو في القول والوهم ، بل الأمر العام لجميع الأشياء التي في العالم والأشياء التي يتباين بعضها بعضا مباينة ظاهرة هو القصد للاتصال بذلك الجوهر الأول بحسب ما يخص كلّ واحد منها في طبيعة الملائم له . وهذا هو السبب في بقائها وثباتها ولزومها للموضع الذي يخصها : فإن من الأشياء التي فيه ما هو فاعل فقط ، ومنها ما هو منفعل فقط ، ومنها ما هو فاعل ومنفعل معا ؛ ولذلك تهيأ أن يتصل بعضها ببعض ويلزم بعضها بعضا . وذلك أنه لما كانت الطبيعة السارية في جميع أجزاء العالم هي قوة الإلهية ( فإنه ) يؤم وينحو نحو أفضل الموجودات ، ولذلك صارت مشاركة جميع الأشياء التي تشاركه له إنما هي بحسب حال كل واحد منها عنده وموقعه منه . وكما أن جميع أجزاء البيت إنما يقصد بها نحو أمر واحد بعينه ، وهو الذي به يم البيت ويلتئم حتى يصير واحدا - كذلك الحال في الأحرار : فإنهم يفعلون جميع ما يفعلونه أو أكثره على ترتيب ونظام ، وجميع ما يفعلونه فإنما قصدهم فيه سلامة البيت ، إذ لا سبيل لهم إلى أن يحيوا وهم أحرار على خلاف هذه الجهة . وأما العبيد وغيرهم ممن يجرى مجراهم فإنما لهم شركة يسيرة في هذا النظام والتهيؤ « 2 » اللذين جعلا بسبب خلاص الكل وبسبب هذه الشركة اليسيرة صاروا أيضا باقين أو كانوا بعض أجزاء البيت [ بعض أجزاء البيت ] . وأكثر ما يصدر عن هذه الطبقة من الأفعال فإنما هو بالبخت والاتفاق . وذلك أن الطبيعة التي تخصها التي هي في كل واحد من أجزائها مبدأ وسبب لوجوده ليست قابلة من جنس « 3 » الترتيب والنظام شيئا ذا قدر . والحال في العالم مثلها في المدينة أو البيت : فإن من الأشياء التي فيه قد جعلته الطبيعة التي تخصه جاريا أبدا على الترتيب والنظام « 4 » ، إذ كان غير متهيئ لقبول شئ من الاضطرار ، أعنى عدم النظام . ومنها ما هو

--> ( 1 ) فوقها : تتغير . ( 2 ) تحتها : الذي . ( 3 ) فوقها : حسن . ( 4 ) ص : ونظام .